نخبة من الأكاديميين

284

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الأوروبية التجارية دورًا متزايد الأهمية في التجارة الخارجية للإمبراطورية العثمانية في حين لم يلعب الأتراك دورًا أساسيًا في هذه التجارة ولو على الأقل كمجرد وسيط . ولقد كان لجميع هذه الأبعاد المتداخلة علاقاتها أيضًا بالعُملة العثمانية ، ومن ثم تفاقمت الأزمة المالية التي كانت الدولة تعاني منها تحت تأثير اعتبارات داخلية ( خاصة أعباء الجيش العثماني ) . أما البعد الثاني فيتصل بخصائص وعواقب " الامتيازات " . فبقدر ما عكس تطور هذه الامتيازات خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر م التغير في موازين القوى السياسية العالمية كما سبق ورأينا - بقدر ما كان لها انعكاساتها ومدلولاتها الاقتصادية . ولقد أبرزت التطورات الدولية في القرن الثامن عشر م تفوق الدور الغربي في التجارة الدولية للإمبراطورية وذلك نظرًا للتغيرات العميقة في التجمعات الأوروبية والتي دفعتها نحو مزيد من التوسع الخارجي . ولما كانت الامتيازات التي حصلت عليها الدول الأوروبية أداة خدمة لهذا التوسع ، فلقد كانت التسهيلات التي وفرتها الامتيازات تخدم مرحلة التطور التي تمر بها هذه الدول ؛ أي مرحلة الرأسمالية الماركنتيلية ثم الرأسمالية قبل الصناعية . ففي خلال هذه المرحلة كانت الصادرات ضرورية وهامة ، ولذلك أنشأت الحكومات شركات كبرى ساندتها الجيوش والدبلوماسية ؛ ومن ثم تمكنت من توظيف الامتيازات لصالح التجار الغربيين المنتشرين في مختلف أرجاء الإمبراطورية والقائمين على نقل المواد الأولية من هذه الأرجاء ونقل الصادرات المصنعة إليها . وبذا ترسخت جذور التبعية الاقتصادية العثمانية من خلال عواقب الامتيازات في هذه المرحلة . فنجد أن الأوروبيين أضحوا المستفيد الأول من التجارة العثمانية ، وتدهورت القاعدة الاقتصادية العثمانية وتدهور الدور العثماني كوسيط في تجارة الغرب مع الشرق ، وأضحى الميزان التجاري لصالح الغرب . بعبارة أخرى جعلت الامتيازات من الإمبراطورية سوقًا كبرى لمنتجات الغرب ، وفي الوقت نفسه حارب الأوروبيون تطور الصناعة العثمانية الوطنية حتى تظل القاعدة الصناعية العثمانية محدودة إلى أقصى حدّ فتتقلص قاعدة قوة الإمبراطورية . هذا ولم يكن بمقدور القوى والمؤسسات العثمانية أن توقف الآثار السلبية للامتيازات إما لاعتبارات عدم كفاءتها وتدهورها وإما لاعتبارات سياسية متصلة بدور القوى الداخلية المستفيدة من هذا الوضع . وعلى هذا النحو - وبالنظر إلى دوافع وعواقب الامتيازات - يمكن القول : إن المشكلة كانت ذات أبعاد سياسية وليست اقتصادية فقط ، وإن الأزمة التي واجهتها الإمبراطورية في هذه المرحلة لم تكن أزمة اقتصادية حقيقية على الأقل على الصعيد الداخلي وإنما أزمة سياسية تجد جذورها في أطماع القوى الخارجية ، ولم ينجح العثمانيون في وضع العوائق الفعالة أمام اتساع هذه الأطماع نظرًا للفشل في تبني عملية إصلاح سياسية واقتصادية ، ولهذا لا يصح في هذا الموضوع أن نجعل من الدولة العثمانية إما " الضحية " وإما " المسؤول الوحيد " . فإذا كان حكم التاريخ لم يمِل لصالح الدولة العثمانية لفترة طويلة ، إلا